العيني
49
عمدة القاري
غزوة الفتح لأنه صرح فيه بقوله : ( خرج إلى مكة عام الفتح . . . ) الحديث . قوله : ( ورجلاً قد ظلل عليه ) وقال صاحب ( التلويح ) : والرجل المجهود في الصوم هنا ، قيل : هو أبو إسرائيل ، ذكر الخطيب في كتاب ( المبهمات ) : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه يهادي بين ابنيه ، وقد ظل عليه ، فسأل عنه ، فقالوا : نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام ، فقال : إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ، مروه فليمش وليركب ) . وفي مسند أحمد ما يشعر بأنه غير المظلل عليه ، وهو : ( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي ، فقيل للنبي ، صلى الله عليه وسلم : هو ذا يا رسول الله ، لا يقعد ولا يكلم الناس ولا يستظل ولا يفطر ، فقال : ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر ) . وقال بعضهم : زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل ، وعزى ذلك ( بمبهمات الخطيب ) ، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصة ، ثم أطال الكلام بما لا يفيده ، فكيف يقول : زعم مغلطاي ، وهو لم يزعم ذلك ؟ وإنما قال : قيل : هو أبو إسرائيل ، ثم قال أيضا : وفي ( مسند ) أحمد ما يشعر أنه غيره ، وبين ذلك ، فهذا مجرد تشنيع عليه مع ترك محاسن الأدب في ذكره بصريح اسمه ، وليس هذا من دأب العلماء . وقال صاحب ( التوضيح ) عندما ينقل عنه شيئا ، قال شيخنا علاء الدين . قوله : ( قد ظلل عليه ) على صيغة المجهول . قوله : ( فقال ) أي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما للرجل ؟ ) يعني : ما شأنه ؟ وفي رواية النسائي : ( ما بال صاحبكم هذا ؟ ) قوله : ( ليس من البر الصوم في السفر ) ، قد مر تفسير البر آنفا ، وتمسك بعض أهل الظاهر بهذا ، وقال : إذا لم يكن من البر فهو من الإثم ، فدل أن صوم رمضان لا يجزئ في السفر . وقال الطحاوي : هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين ، وهو المذكور في الحديث ، ومعناه : ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ ، والله قد رخص في الفطر ، والدليل على صحة هذا التأويل صومه صلى الله عليه وسلم في السفر في شدة الحر ، ولو كان إثما لكان أبعد الناس منه ، أو يقال : ليس هو أبر البر ، لأنه قد يكون الإفطار أبر منه للقوة في الحج والجهاد وشبههما . وقال القرطبي : أي : ليس من البر الواجب . قيل : هذا التأويل إنما يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه ، وأما من حمله على القاعدة الشرعية في رفع ما لا يطاق عن هذه الأمة . فبأن للمريض المقيم ومن أجهده الصوم أن يفطر ، فإن خاف على نفسه التلف من الصوم عصى بصومه ، وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( أولئك العصاة ) ، وأما من كان على غير حال المظلل عليه فحكمه ما تقدم من التخيير ، وبهذا يرتفع التعارض ، وتجتمع الأدلة ولا يحتاج إلى فرض نسخ ، إذ لا تعارض . فإن قلت : روى النسائي من حديث أبي أمية الضمري فيه : ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة ) ، وروى أيضا من حديث ( عبد الله بن الشخير ، قال : كنت مسافرا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل وأنا صائم ، فقال : هلم ! فقلت : إني صائم . قال : أتدري ما وضع الله ، عز وجل ، عن المسافر ؟ قلت : وما وضع الله عن المسافر ؟ قال : الصوم وشطر الصلاة . قلت : يجوز أن يكون ذلك الصيام الذي وضعه عنه هو الصيام الذي لا يكون له منه بد في تلك الأيام ، كما لا بد للمقيم من ذلك . 73 ( ( باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا في الصوم والإفطار ) ) أي هذا باب يذكر فيه لم يعب . . . إلى آخره أراد يعني في الأسفار 54 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال كنا نسافر مع النبي فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) مطابقته للترجمة من حيث أنها بعض متن الحديث . وأخرجه مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا أبو خيثمة ' عن حميد قال سئل أنس عن صوم رمضان في السفر فقال سافرنا مع رسول الله في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ' وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر ' عن حميد قال خرجت فصمت فقالوا لي أعد ' ( فإن قلت ) أن أنسا أخبرني ' أن أصحاب رسول الله كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم فلقيت ابن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة بمثله ' وروى مسلم أيضا ' عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله قالا سافرنا مع رسول الله فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض '